ابن عجيبة
58
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وقاية بينه وبين ما يحجبه أو يبعده عنه ، فأولئك هم الفائزون الظافرون بمعرفة اللّه على نعت الشهود والعيان . وباللّه التوفيق . ثم رجع إلى تتمة القسم الأول ، حاكيا بعض جنايتهم ، فقال : [ سورة النور ( 24 ) : الآيات 53 إلى 54 ] وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 53 ) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ ( 54 ) قلت : ( جهد ) : مصدر مؤكد لفعله ، الذي هو في حيز النصب على الحال ، من فاعل « أقسموا » ، ومعنى جهد اليمين : بلوغ غايتها بطريق الاستعارة ، من قولهم : جهد نفسه : إذا بلغ أقصى وسعها وطاقتها . وأصل أقسم جهد اليمين : أقسم بجهد اليمين جهدا ، فحذف الفعل وقدم المصدر ، فوضع موضعه مضافا إلى المفعول ، كقوله : فَضَرْبَ الرِّقابِ « 1 » وحكم هذا المنصوب حكم الحال ، كأنه قال : أقسموا جاهدين أيمانهم . و ( طاعة ) : مبتدأ حذف خبره ، أي : طاعة معروفة أولى من تسويفكم ، أو : خبر عن محذوف ، أي : الذي يطلب منكم طاعة معروفة . يقول الحق جل جلاله : وَأَقْسَمُوا أي : المنافقون بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ أي : بلغوا فيها غاية وسعهم ، بأن حلفوا باللّه . وعن ابن عباس رضي اللّه عنه : ( من حلف باللّه فقد جهد يمينه ) ، لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ أي : قالوا : لئن أمرنا محمد بالخروج للغزو ، أو من ديارنا وأموالنا ، لخرجنا . وحيث كانت مقالتهم هذه كاذبة ويمينهم فاجرة أمر عليه الصلاة والسلام - بردها حيث قيل : قُلْ لا تُقْسِمُوا أي : قل ؛ ردا عليهم ، وزجرا عن التفوه بها : لا تحلفوا وأنتم كاذبون ، طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ ، تعليل للنهي ، أي : لا تقسموا على ما تدعون من الطاعة ؛ لأن طاعتكم طاعة نفاقية ، معروفة بالنفاق ، واقعة باللسان فقط من غير مواطأة للقلب . وإنما عبّر عنها بمعروفة ؛ للإيذان بأن كونها نفاقية مشهور معروف لكل أحد . وحملها على الطاعة الحقيقة ، على حذف المبتدأ أو الخبر ، مما لا يساعده المقام . أنظر أبا السعود . قال القشيري : طاعة في الوقت أولى من تسويف في الوعد ، ولا تعدوا بما هو معلوم أنكم لا تفوا به . ه . وقال النسفي : طاعة معروفة أمثل وأولى بكم من هذه الأيمان الفاجرة . أو : الذي يطلب منكم طاعة معروفة معلومة لا يشك فيها ولا يرتاب ، كطاعة الخلص من المؤمنين ، لا أيمان تقسمونها بأفواهكم ، وقلوبكم على خلافها . ه .
--> ( 1 ) من الآية 5 من سورة سيدنا محمد .